الذكرى الـ 28 لرحيل الملك الحسن الثاني: استذكار لمسار التحديث وبناء الدولة المغربية الحديثة

الذكرى الـ 28 لرحيل الملك الحسن الثاني: استذكار لمسار التحديث وبناء الدولة المغربية الحديثة

تشكل الذكرى الثامنة والعشرون لوفاة المغفور له الملك الحسن الثاني مناسبة وطنية مهيبة لاستحضار الإرث الكبير الذي تركه باني الدولة المغربية الحديثة، الذي ميز التاريخ المعاصر للمملكة بأسلوبه الفريد ورؤيته الاستشرافية التي وضعت المغرب على درب الحداثة منذ سنوات الاستقلال الأولى.

فمنذ توليه العرش عام 1961، عمل الملك الراحل بكل تفانٍ على تثبيت الركائز التي أرسى دعائمها والده المغفور له الملك محمد الخامس. وقد تميز عهده بالانطلاق في أوراش كبرى للتشييد وتوحيد البلاد، مما منح المغرب مكانة مرموقة بين الأمم وعزز من استقراره ومساره التنموي، بالتوازي مع جهوده الحثيثة لاستكمال الوحدة الترابية للمملكة.

وشهد عهد الملك الحسن الثاني محطات تاريخية بارزة في استكمال الوحدة الوطنية، تمثلت في استرجاع إقليم سيدي إفني في 30 يونيو 1969، ووادي الذهب في 14 غشت 1979. وكان تنظيم المسيرة الخضراء المظفرة في 6 نونبر 1975 بمثابة حجر الزاوية في هذا المسار، حيث جسدت ملحمة سلمية خالدة ونموذجاً حضارياً فريداً في حل النزاعات، سيظل محفوراً بمداد من ذهب في التاريخ الإنساني.

وفي سياق تعزيز المناعة الاقتصادية، أدرك الراحل مبكراً أهمية بناء اقتصاد وطني قوي، فأطلق عام 1966 “سياسة السدود”، التي أثبتت فعاليتها الاستراتيجية في مواجهة فترات الجفاف وندرة المياه، وشكلت مع النهج الفلاحي الطموح رافعة أساسية للتنمية الشاملة التي جعلت القطاع الفلاحي دعامة للاقتصاد الوطني.

وعلى الصعيد الاجتماعي، أولى الملك الحسن الثاني أهمية قصوى لرفاه المواطنين وتماسك النسيج المجتمعي، عبر إطلاق أوراش استراتيجية تهم حقوق المرأة، ودعم مؤسسة الأسرة، وتطوير السكن الاجتماعي، وتعزيز حقوق الإنسان والتعددية، حفاظاً على قيم التكافل والتضامن المتأصلة في المجتمع المغربي.

دبلوماسياً، حظي الملك الراحل بتقدير دولي واسع بفضل حنكته وانفتاحه. وتحت قيادته، تبوأ المغرب مكانة دولية ريادية، حيث ساهم بفاعلية في قضايا إقليمية ودولية كبرى، مثل الصراع العربي-الإسرائيلي، وبعثات حفظ السلام الأممية، وتأسيس منظمة الوحدة الإفريقية واتحاد المغرب العربي. وتجسيداً لهذا الدور الريادي في إفريقيا، مُنح الراحل جائزة إفريقية من قبل إثيوبيا في فاتح نونبر 2022، تقديراً لجهوده في تحرر القارة ووحدتها.

لقد ارتكزت السياسة الخارجية للملك الحسن الثاني على رؤية متوازنة تجمع بين الانفتاح على الغرب والحداثة، مع الحرص الصارم على حماية الهوية المغربية بجذورها الإسلامية والعربية والإفريقية والمتوسطية. وبصفته أميراً للمؤمنين، ظل الراحل حريصاً على وحدة صف الأمة الإسلامية ومواجهة التحديات التي تهددها.

ومع تخليد هذه الذكرى الـ 28، يستحضر المغاربة سيرة ملك عظيم قاد البلاد نحو الرقي، مجددين في الوقت ذاته وفاءهم للعرش العلوي المجيد، وعزمهم على مواصلة المسار تحت القيادة الرشيدة لوارث سره، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، للمضي قدماً في أوراش البناء نحو مغرب قوي وصاعد.